محمد سعيد رمضان البوطي

6

فقه السيرة ( البوطي )

بمقتضاه ، وأن اللّه محاسبهم على ذلك حسابا دقيقا ، نهض بهم اليقين بكل ذلك إلى تحمل أقسى الجهد في سبيل الوصول إلى منهج علمي تحصن فيه حقائق السيرة والسنة النبوية المطهرة . وإنما أقصد بالمنهج العلمي قواعد مصطلح الحديث ، وعلم الجرح والتعديل ، فمن المعلوم أن ذلك إنما وجد أولا لخدمة السنة المطهرة التي لا بد أن تكون السيرة النبوية العامة قاعدة لها . ثم إنه أصبح بعد ذلك منهجا لخدمة التاريخ عموما ، وميزانا لتمييز حقائقه عن الأباطيل التي قد تعلق به . يتبين لك من هذا أن كتابة السيرة النبوية ، كانت البوابة العريضة الهامة التي دخل منها المسلمون إلى دراسة التاريخ وتدوينه عموما ، وأن القواعد العلمية التي استعانوا بها لضبط الروايات والأخبار ، هي ذاتها القواعد التي أبدعتها عقول المسلمين شعورا منهم بالحاجة الماسة إلى حفظ مصادر الإسلام وينابيعه الأولى من أن يصيبها أي دخيل يعكره . كيف بدأت ثم تطورت كتابة السيرة : تأتي كتابة السيرة النبوية - من حيث الترتيب الزمني - في الدرجة الثانية بالنسبة لكتابة السنة النبوية . فلا جرم أن كتابة السنة ، أي الحديث النبوي ، كانت أسبق من كتابة السيرة النبوية عموما . إذ السنة بدأت كتابتها ، كما هو معلوم ، في حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بإذن ، بل بأمر منه عليه الصلاة والسلام . وذلك بعد أن اطمأن إلى أن أصحابه قد تنبهوا للفارق الكبير بين أسلوبي القرآن المعجز والحديث النبوي البليغ . فلن يقعوا في لبس بينهما . أما كتابة حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومغازية بصورة عامة ، فقد جاء ذلك متأخرا عن البدء بكتابة السنة ، وإن كان الصحابة يهتمون بنقل سيرته ومغازيه شفاها . ولعل أول من اهتم بكتابة السيرة النبوية عموما ، هو عروة بن الزبير المتوفى : عام 92 ه . ثم بان بن عثمان المتوفى : 105 ثم وهب بن منبه المتوفى : 110 ثم شرحبيل بن سعد المتوفى : 123 ثم ابن شهاب الزهري المتوفى : 124 . إن هؤلاء يعدون ، ولا ريب ، في مقدمة من اهتموا بكتابة السيرة النبوية ، كما تعد كتاباتهم طليعة هذا العمل العلمي العظيم ، بل تعد الخطوة الأولى - كما ألمحنا - إلى كتابة التاريخ والاهتمام به عموما ، هذا بقطع النظر عن أن الكثير من أحداث السيرة منثور في كتاب اللّه تعالى وفي بطون كتب السنة التي تهتم من سيرته صلى اللّه عليه وسلم بأقواله وأفعاله ، لا سيما ما يتعلق منها بالتشريع .